صفي الرحمان مباركفوري
41
الرحيق المختوم
إنما يمضي إلى ملك أبيه ، وإلى حرم اللّه ، فأذنت له ، فقدم به مكة مردفه على بعيره ، فقال الناس : هذا عبد المطلب ، فقال : ويحكم إنما هو ابن أخي هاشم . . . فأقام عنده حتى ترعرع ، ثم إن المطلب هلك بردمان من أرض اليمن ، فولى بعده عبد المطلب ، فأقام لقومه ما كان آباؤه يقيمون لقومهم ، وشرف في قومه شرفا لم يبلغه أحد من آبائه ، وأحبه قومه ، وعظم خطره فيهم « 1 » . ولما مات المطلب وثب نوفل على أركاح عبد المطلب فغصبه إياها ، فسأل رجالا من قريش النصرة على عمه ، فقالوا : لا ندخل بينك وبين عمك . فكتب إلى أخواله من بني النجار أبياتا يستنجدهم ، وسار خاله أبو سعد بن عدي في ثمانين راكبا ، حتى نزل بالأبطح من مكة ، فتلقاه عبد المطلب ، فقال : المنزل ، يا خال ! فقال : لا واللّه حتى ألقى نوفلا ، ثم أقبل فوقف نوفل ، وهو جالس في الحجر مع مشايخ قريش ، فسل أبو سعد سيفه وقال : ورب البيت لئن لم ترد على ابن أختي أركاحه لأمكنن منك هذا السيف ، فقال : رددتها عليه ، فأشهد عليه مشايخ قريش ، ثم نزل على عبد المطلب ، فأقام عنده ثلاثا ، ثم اعتمر ورجع إلى المدينة ، فلما جرى ذلك حالف نوفل بني عبد شمس بن عبد مناف على بني هاشم ، ولما رأت خزاعة نصر بني النجار لعبد المطلب قالوا : نحن ولدناه كما ولدتموه ، فنحن أحق بنصره - وذلك أن أم عبد مناف منهم - فدخلوا دار الندوة ، وحالفوا بني هاشم على بني عبد شمس ونوفل ، وهذا الحلف الذي صار سببا لفتح مكة كما سيأتي « 2 » . ومن أهم ما وقع لعبد المطلب من أمور البيت شيئان « 3 » : حفر بئر زمزم ووقعة الفيل . وخلاصة الأول أنه أمر في المنام بحفر زمزم ووصف له موضعها ، فقام يحفر ، فوجد فيه الأشياء التي دفنها الجراهمة حين لجئوا إلى الجلاء ، أي السيوف والدروع والغزالين من الذهب ، فضرب الأسياف بابا للكعبة ، وضرب في الباب الغزالين ، وأقام سقاية زمزم للحجاج . ولما بدت بئر زمزم نازعت قريش عبد المطلب ، وقالوا له : أشركنا قال ما أنا بفاعل ،
--> ( 1 ) ابن هشام 1 / 137 ، 138 . ( 2 ) مختصر سيرة الرسول للشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي ص 41 ، 42 . ( 3 ) ابن هشام : 1 / 142 - 147 .